ابن أبي الحديد

168

شرح نهج البلاغة

فقال : لا أرغب بنفسي عن نصرة أم المؤمنين ، وحواري رسول الله ! فخرج معهم . وإني لجالس مع الأحنف ، يستنبئ الاخبار ، إذا بالجون بن قتادة ، ابن عمي مقبلا ، فقمت إليه واعتنقته ، وسألته عن الخبر ، فقال : أخبرك العجب ، خرجت وأنا لا أريد أن أبرح الحرب حتى يحكم الله بين الفريقين ، فبينا أنا واقف مع الزبير ، إذ جاءه رجل ، فقال : أبشر أيها الأمير ، فإن عليا لما رأى ما أعد الله له من هذا الجمع ، نكص على عقبيه ، وتفرق عنه أصحابه . وأتاه آخر ، فقال له مثل ذلك ، فقال الزبير : ويحكم ! أبو حسن يرجع ! والله لو لم يجد إلا العرفج ( 1 ) لدب إلينا فيه . ثم أقبل رجل آخر ، فقال : أيها الأمير ، إن نفرا من أصحاب علي فارقوه ليدخلوا معنا ، منهم عمار بن ياسر ، فقال الزبير : كلا ورب الكعبة ، إن عمارا لا يفارقه أبدا ، فقال الرجل : بلى والله ، مرارا . فلما رأى الزبير أن الرجل ليس براجع عن قوله ، بعث معه رجلا آخر ، وقال : اذهبا فانظرا ، فعادا وقالا : إن عمارا قد أتاك رسولا من عند صاحبه . قال جون : فسمعت والله الزبير يقول : وا انقطاع ظهراه ! وا جدع أنفاه ! وا سواد وجهاه ! ويكرر ذلك مرارا ، ثم أخذته رعده شديدة ، فقلت : والله إن الزبير ليس بجبان ، وإنه لمن فرسان قريش المذكورين ، وإن لهذا الكلام لشأنا ، ولا أريد أن أشهد مشهدا يقول أميره هذه المقالة ، فرجعت إليكم فلم يكن إلا قليل حتى مر الزبير بنا متاركا للقوم ، فأتبعه عمير بن جرموز فقتله . * * * أكثر الروايات على أن ابن جرموز قتل مع أصحاب النهر ، وجاء في بعضها أنه عاش إلى أيام ولاية مصعب بن الزبير العراق ، وأنه لما قدم مصعب البصرة خافه ابن جرموز

--> ( 1 ) العرفج : شجر سهلي ، واحدته بهاء .